لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك

الطواف والسعي

في قلب الحرم، حيث تتداخل الأرواح وتذوب الأصوات في همس التلبية، يبدأ الطواف. لا أحد يعلو على أحد، ولا أحد يسبق أحدًا إلا بخفة القلب. الحاج يخطو خطواته الأولى حول الكعبة، لا كمن يدور حول بناء، بل كمن يطوف حول مركز الكون، حول نقطة التوحيد التي اجتمعت فيها دعوة إبراهيم، ودموع الأنبياء، وأمنيات الصالحين.

كل شوط من الأشواط السبعة يحمل شيئًا مختلفًا. في الأول، رهبة. في الثاني، خشوع. في الثالث، دمعة. في الرابع، دعاء. في الخامس، رجاء. في السادس، شكر. وفي السابع، تسليم. وبين كل شوط وآخر، يمر الحاج بالحجر الأسود، لا ليُقبّله فقط، بل ليُجدد العهد، كأنما يقول: “يا رب، أنا هنا، وعدت إليك

ثم يأتي السعي، بين الصفا والمروة. ليس مجرد مشي، بل استحضار لقصة أمٍ تركها زوجها في وادٍ غير ذي زرع، فركضت تبحث عن الماء لطفلها. السعي ليس سباقًا، بل استجابة. استجابة لنداء الحاجة، لنداء الأمومة، لنداء الإيمان بأن الله لا يخذل من توكل عليه

كل خطوة في السعي تحكي قصة هاجر، وكل هرولة في المسعى تعيد مشهدها وهي تركض، لا تعرف أين، لكنها تعرف لماذا. وفي كل شوط، يشعر الحاج أنه يركض أيضًا، لا خلف ماء، بل خلف رحمة، خلف يقين، خلف استجابة من السماء

الطواف والسعي ليسا مجرد أركان، بل هما رحلة داخلية. الطواف حول الكعبة هو طواف حول الذات، والسعي بين الصفا والمروة هو سعي بين الخوف والرجاء، بين الدعاء والاستجابة، بين الأرض والسماء

وفي نهاية السعي، لا يشعر الحاج بالتعب، بل بالتحول. كأنما خفّ جسده، وارتفعت روحه، وأصبح أقرب إلى الله، وإلى نفسه