لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك
المزدلفة
محطةٍ أخرى من محطات القرب. إنها المزدلفة بعد أن تغرب شمس يوم عرفة، وتغمر الأرض بنورها الأخير، يبدأ الحجاج بالانصراف… لا إلى الراحة، بل إلى المزدلفة، الأرض التي تجمع بين السكينة والانضباط، بين التعب والطمأنينة، بين الدعاء والصمت
يسير الحاج نحو المزدلفة، وقد خفّ حمله، لا لأن الطريق قصير، بل لأن قلبه بات أخفّ. في عرفات، ترك ذنوبه، وفي المزدلفة، يجمع الحصى… لا ليبني، بل ليهدم. كل حصاةٍ سيجمعها هناك، ستكون لاحقًا سهمًا في وجه الشيطان، إعلانًا بأن هذا القلب لن يُخدع بعد اليوم
في المزدلفة، لا توجد خيام فاخرة، ولا أضواء براقة. فقط أرضٌ مفتوحة، وسماءٌ شاهدة، وأجسادٌ منهكة، لكنها أرواحٌ متيقظة. الحاج يصلي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ثم يستلقي على الأرض، لا ليغفو فقط، بل ليخلو بنفسه، ليراجع رحلته، ليتأمل في ما مضى وما سيأتي
الليل في المزدلفة له طعمٌ مختلف. لا ضجيج، لا حديث، فقط همسات التلبية، ونبضات القلوب التي تنتظر فجرًا جديدًا. فجرًا يبدأ برمي الجمرات، بذبح الهدي، وبالتحلل من الإحرام. لكن قبل كل ذلك، هناك هذا الليل… ليلة المبيت، ليلة التأمل، ليلة الاستعداد
وفي تلك الساعات، يشعر الحاج أنه أقرب إلى الأرض، وأقرب إلى السماء. كأن المزدلفة هي نقطة التقاء بينهما، بين ما هو دنيوي وما هو سماوي، بين ما كان وما سيكون
ثم، حين يبدأ الفجر بالتسلل، ينهض الحاج، وقد جمع حصاه، وجمع نفسه، وجمع نيته. ينطلق إلى منى، لا كمن يذهب إلى مهمة، بل كمن يذهب ليُكمل وعدًا قطعه على نفسه منذ أن قال: “لبيك اللهم لبيك.”





