لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك
يوم التروية
في صباحٍ يختلف عن كل صباح، يستيقظ الحاج في مكة وقد بدأ قلبه يخفق بإيقاعٍ جديد. إنه اليوم الثامن من ذي الحجة… يوم التروية. لا ضجيج، لا عجلة، فقط استعدادٌ هادئ لرحلةٍ عظيمة تبدأ بخطوة إلى منى
يسمّى هذا اليوم “التروية” لأن الحجاج كانوا في الماضي يتزوّدون فيه بالماء، يرتوون ويُروون إبلهم استعدادًا ليوم عرفة، حيث لا ماء ولا وقت للبحث عنه. لكن التسمية تحمل أيضًا معنىً أعمق… ففي هذا اليوم، يروي الحاج قلبه بالإيمان، ويملأ روحه باليقين، ويبدأ في استحضار المناسك التي سيعيشها لحظةً بلحظة
يتجه الحاج إلى منى، لا ليؤدي شعائر، بل ليبيت هناك. وكأن المبيت في منى هو إعلان صامت: “أنا جاهز يا رب، جسدي هنا، وقلبي يتجه نحو عرفات.” في منى، لا توجد طقوس معقدة، فقط صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، تُصلى قصراً دون جمع، في خيمةٍ بسيطة أو تحت سماءٍ مفتوحة، حيث تتساوى الأرواح وتتوحد النوايا
يوم التروية هو يوم النقلة. النقلة من حياةٍ مليئة بالتفاصيل إلى حياةٍ مليئة بالمعاني. من مكة إلى منى، من الزحام إلى السكينة، من التردد إلى التروية. وفي هذا اليوم، يبدأ الحاج في الإحرام بالحج إن كان متمتعًا، ويُجدد نيته إن كان مفردًا أو قارِنًا، ويُكثر من التلبية والدعاء، كأنما يهيئ نفسه للوقوف الأعظم
وفي منى، لا يُطلب من الحاج أن يفعل الكثير، بل أن يكون حاضرًا… حاضرًا بجسده، بروحه، بنيته. فالحج لا يبدأ بالطواف، بل يبدأ بالاستعداد، بالتهيؤ، بالتروية
وفي ليلته، ينام الحاج على أرضٍ مباركة، بين آلافٍ من القلوب المتجهة إلى الله، وكلٌّ منهم يحمل قصة، دعاء، أمنية. وفي الصباح، حين تشرق شمس يوم عرفة، يكون الحاج قد ارتوى… لا من الماء فقط، بل من الإيمان





