لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك
يوم النحر
في فجر اليوم العاشر من ذي الحجة، يستيقظ الحاج على صوت التلبية وقد امتزج بنداء الفجر، فيشعر أن هذا اليوم ليس كبقية الأيام. إنه يوم النحر… يوم العيد، يوم الحج الأكبر، يوم تتجلى فيه الطاعة في أبهى صورها، وتُسكب فيه الدموع فرحًا وخشوعًا
يتجه الحاج إلى منى، وقد حمل معه ما جمعه من مزدلفة: حصى صغيرة، لكنها تحمل معنىً كبيرًا. يبدأ برمي جمرة العقبة الكبرى، وكأن كل حصاةٍ هي رفضٌ للهوى، وتمردٌ على وسوسة الشيطان، وإعلانٌ بأن القلب قد اختار طريق الله
ثم يأتي مشهد النحر… الحاج يذبح هديه، لا كمن يقدّم لحمًا، بل كمن يُحيي سنة إبراهيم، حين فدى الله ابنه بذبحٍ عظيم. الدماء التي تسيل ليست إلا رمزًا للتضحية، للتقرب، للتجرد من كل شيء إلا رضا الله. وفي كل قطرة، هناك دعاء، وهناك أمل، وهناك شكر
بعد النحر، يحلق الحاج شعره أو يقصّه، وكأنما يُزيل ما تبقى من الدنيا عن رأسه، ويُعلن بداية جديدة. ثم يتحلل من إحرامه، فيرتدي ثيابه، لكن قلبه لم يعد كما كان. لقد تغيّر، تنقّى، وتطهّر.
ثم يتجه إلى مكة، ليطوف طواف الإفاضة، طوافًا مختلفًا عن طواف القدوم. ففي هذا الطواف، الحاج ليس زائرًا فقط، بل عائدًا من رحلةٍ روحية، وقد حمل معه شهادة القرب، ووشاح الطاعة، وعبق الدعاء
يوم النحر ليس مجرد عيد، بل هو تتويجٌ لرحلةٍ من الإيمان، ومشهدٌ من مشاهد التسليم، واحتفالٌ سماويٌّ بأن الله قد قبل عباده، وغفر لهم، وأعادهم كما وُلدوا… بلا ذنب، بلا حزن، بلا قيد





