لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك
أيام التشريق
بعد أن تهدأ مشاعر يوم النحر، وتغتسل الأرواح من عناء الرحلة، تبدأ أيام التشريق… ثلاثة أيامٍ متتالية، لا تُشبه ما قبلها ولا ما بعدها. إنها أيامٌ منى، أيامٌ من نور، أيامٌ من ذكر، وأيامٌ من قرار
في صباح اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، يُسمّى يوم القَرّ، لأن الحاج يقرّ فيه بمنى، لا يسافر، لا يرحل، بل يمكث. لكنه لا يمكث جسدًا فقط، بل يمكث قلبًا وروحًا. في هذه الأيام، يُرمي الحاج الجمرات الثلاث: الصغرى، الوسطى، ثم الكبرى. سبع حصيات لكل جمرة، وكل حصاةٍ تُقال فيها “الله أكبر”، وكأنها سهمٌ في وجه الغفلة، وصرخةٌ في وجه الشيطان
لكن أيام التشريق ليست فقط رميًا، بل هي أيام أكل وشرب وذكر لله، كما قال النبي ﷺ. لا يُصام فيها، بل يُحتفل بها، لا بالزينة، بل بالرضا. الحاج يأكل، يشرب، ويُكثر من التكبير، وكأن كل لحظة فيها هي عيدٌ صغير، يُذكّر بأن العبادة لا تعني الحرمان، بل تعني الامتلاء
وفي منى، حيث الخيام البيضاء، والوجوه المتعبة، والقلوب المتألقة، يعيش الحاج لحظاتٍ من التأمل. يتذكر ما مضى من المناسك، ويستعد لما تبقى. يختار إن كان سيتعجل في يومين، أو يتأخر إلى اليوم الثالث، وكأن الله يقول له: “اختر ما يناسبك، فكل الطرق تؤدي إليّ، وكل وقتٍ في هذه الأيام مبارك.”
وفي كل ليلة من ليالي التشريق، يبيت الحاج في منى، لا ليُكمل واجبًا فقط، بل ليعيش في حضن الرحلة، في قلب الذكر، في ظلّ القبول. وبين كل رميةٍ وأخرى، هناك دعاء، وهناك دمعة، وهناك لحظة صدقٍ لا تُنسى
ثم، حين ينتهي اليوم الثالث، ويُكمل الحاج رمي الجمرات، يشعر أنه لم يعد كما كان. لقد رمى الشك، والهوى، والضعف، ورمى معها كل ما يُبعده عن الله. ويغادر منى، لا كمن أنهى رحلة، بل كمن بدأ حياةً جديدة





