لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك

يوم عرفة

في صباحٍ لا يشبه أي صباح، يستيقظ الحاج في منى، وقد بات قلبه يسبق قدميه. اليوم هو يوم عرفة… اليوم الذي انتظره منذ أن نوى الحج، اليوم الذي تتفتح فيه أبواب السماء، وتُغسل فيه القلوب من أدرانها، وتُكتب فيه الأعمار من جديد

يتجه الحاج إلى صعيد عرفات، لا يحمل معه إلا دعاءً، ودمعةً، وقلبًا مثقلًا بالأمنيات. لا بناء هناك، لا زخرفة، فقط أرضٌ مفتوحة، وسماءٌ شاهدة، ووجوهٌ ترفع أكفّها نحو الله، كأنها تقول: “يا رب، جئناك شعثًا غبرًا، فاقبلنا.”

في عرفات، لا يُطلب من الحاج أن يطوف أو يسعى، بل أن يقف. فقط يقف. لكن هذا الوقوف ليس جسديًا، بل روحيًا. يقف الحاج أمام الله، بكل ما فيه: ضعفه، ذنوبه، أمله، وانكساره. يقف كما وقف آدم، كما وقف إبراهيم، كما وقف محمد ﷺ، ويقول: “اللهم إنك عفوٌ تحب العفو، فاعفُ عني.”

الزمن في عرفات يتباطأ، كأن كل دقيقة تحمل وزن سنة. وكل دعاء يُقال هناك، يُكتب في صحائف النور. وكل دمعة تسقط، تُغسل بها خطيئة. وكل حاجٍ يشعر أنه أقرب إلى الله من أي وقتٍ مضى

وفي لحظة الغروب، حين تبدأ الشمس بالانحدار، ترتفع الأصوات، وتشتد الدعوات، وتُفتح أبواب الرحمة على مصراعيها. إنها اللحظة التي يباهي الله فيها ملائكته، ويقول: “انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا، يرجون رحمتي.”

ثم ينصرف الحجاج إلى مزدلفة، وقد تركوا خلفهم ذنوبهم، وأحزانهم، وأثقالهم. ينصرفون خفيفين، كأنهم وُلدوا من جديد، وكأن يوم عرفة كان ولادةً ثانية، لا للجسد، بل للروح